النويري
3
نهاية الأرب في فنون الأدب
وأما طلاقة « 1 » العبارة وذلاقة اللسان - فلأنه يجلس بين يدي الحاكم في مجلسه العامّ ، ويحضره من يحضره : من العلماء والفقهاء ، وذوى المناصب ، وأصحاب الضرورات ، وخصوم المحاكمات على اختلاف طبقاتهم وأديانهم ؛ وهو المتصدّى لقراءة ما يحضر في المجلس : من إسجالات حكميّة ، ومكاتيب شرعيّه ؛ وكتب مبايعات ، ووثائق إقرارات ؛ وقصص وفتاوى ، وغير ذلك مما يتّفق في المجلس ؛ فمتى لم يكن الكاتب طلق العبارة فصيح اللَّسان ، جيّد القراءة حسن البيان ؛ تعذّرت قراءة ذلك عليه ولكن في المجلس ، فرمقته العيون شزرا ، وتلمّظت « 2 » به الألسن سرّا ؛ ونظر بعض القوم بسببه بعضا ، وكان عندهم في الرتبة سماء فغدا أرضا ؛ ثم تتعدّى هذه المفسدة إلى إفساد المكتوب ، والتباس المعنى المراد والأمر المطلوب ؛ وذلك لأنّه إذا توقّف في القراءة احتاج إلى إعادة اللَّفظة وتكريرها ، وترديد الكلمة وتدويرها ؛ فتشكل قراءته على سامعه ومستكتبه ، ويكون قد أخلّ برتبته ومنصبه . وأما حسن الخطَّ - فلأنه مندوب إليه في مثل ذلك ، وله من الفوائد ما لا يحصى ، ولأنّ المكتوب إذا كان حسن الخطَّ قبلته النفوس ، وانشرحت له ومالت إليه ؛ وإذا كان على خلاف ذلك كرهته وملته وسئمته ؛ وقد ذكرنا ما قيل
--> « 1 » كذا ورد هذا اللفظ في الأصل . والَّذى وجدناه فيما لدينا من كتب اللغة بالمعنى المراد هنا : « الطلوقة » أي الفصاحة ، مصدر ( طلق ) بفتح أوّله وضم ثانيه لا « الطلاقة » ، فقد وردت في غير المراد هنا ، وفى كتب القواعد أن ( فعولة ) بضم الفاء و ( فعالة ) بفتحها مصدران قياسيان « لفعل » مضموم العين ، وأنه إذا ورد أحدهما ولم يرد الآخر اقتصر على ما ورد انظر حاشية الصبان ج 2 ص 259 طبع بولاق . « 2 » « تلمظت به الألسن » ، أي تحركت بالذم له والعيب فيه ؛ وأصل التلمظ تحريك اللسان في الفم بعد الأكل ، كأنه يتتبع بقية من الطعام بين أسنانه .